أبو الليث السمرقندي

503

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قولهم : اللفظ لفظ الماضي ، والمراد به المستقبل ، يعني : اطلبوا منهم أربعة شهداء ، فإن لم يأتوا بها ، فأقم عليهم الحد . ثم قال عز وجل : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ يعني : منته ونعمته عليكم . فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ يعني : أصابكم فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ يعني : فيما قلتم من القذف عَذابٌ عَظِيمٌ في الدنيا والآخرة على وجه التقديم . قوله عز وجل : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ أي يرويه بعضكم من بعض ، ويتلقاه بعضكم من بعض . وقرئ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بكسر اللام وضم القاف والتخفيف ، أي تكذبون بألسنتكم ، ويقال : معناه تهرعون إلى الكذب . يقال : ولق يلق ، إذا أسرع إلى الكذب . وروى ابن أبي مليكة عن عائشة رضي اللّه عنها أنها كانت تقرأ : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ بكسر اللام ، وقال ابن أبي مليكة هي أعلم ، لأن الآية نزلت فيها . وروي عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ : إذ تتلقونه ، وقال أبو عبيد : لولا قراءة أبي وكراهة الخلاف على الناس ، ما كان أحد أولى أن يتبع فيها من عائشة ، كما احتج ابن أبي مليكة . ثم قال تعالى : وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من الفرية ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً يعني : تظنون عقوبته هينة . وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ في الوزر والعقوبة . [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 16 إلى 20 ] وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ ( 16 ) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 17 ) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 18 ) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 19 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 20 ) قوله تعالى : وَلَوْ لا يعني : فهلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ أي : إذ سمعتم القذف . قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا يعني : لا ينبغي لنا ولا يجوز لنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وفي هذا بيان فضل عائشة رضي اللّه عنها حيث نزهها باللفظ الذي نزه به نفسه ، وهو لفظ سبحان اللّه ، ويقال : سبحان اللّه أن تكون امرأة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زانية ، ما كانت امرأة نبي زانية قط . ثم وعظ الذين يخوضون في أمر عائشة ، فقال عز وجل : يَعِظُكُمُ اللَّهُ يعني : ينهاكم اللّه عز وجل : أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً يعني : القذف إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني : مصدقين باللّه وبرسوله عليه السلام وباليوم الآخر . وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني : الأمر والنهي وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ونزل في عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه . إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ يعني : يظهر الزنى ويفشو ويقال : يحبّون ما شاع لعائشة من الثناء السيئ فِي الَّذِينَ آمَنُوا يعني : عائشة